إتصل بنــا    منشور المؤتمر    أسـس التـنـظيـم    طلب الإنتمـاء

 

هل يتجه العراق نحو الصوملة؟

سمير عادل

نشر هذا المقال اول مرة في سايت (كل الاردن) بتاريخ الاول من ايلول، واعيد نشره في "معا" عدد 36.

لم يكن لدى المالكي طوال السنوات الاربع الذي حكم فيها من انجازات تذكر سوى التحدث عن المصالحة الوطنية وعن جلبه الامن والامان الى المجتمع العراقي. ولم يمض يوم الا وطل علينا ورئيس الوزراء ليعلن عن انتصاراته ضد الإرهاب والعصابات الطائفية ليتناسى انه زعيم حزب طائفي وحكومته لن تقوم لها مقام لو لا الطائفية التي هي احدى دعائم العملية السياسية التي يقودها المالكي نفسه.

ومنذ تفجيرات 6 نيسان التي اتهم المالكي فيها البعثيين وقلل من شانها القادة الامريكيين، ووتيرة العنف تزداد بقوة في العراق حتى وصلت الى يوم الاربعاء الدامي، ليخرجوا علينا القادة والمسؤولين العسكريين في القوات الامريكية من جديد وهذه ليصرحوا عبر كبريات الصحف الامريكية مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست، بأن الحرب الطائفية تلوح بالافق من جديد، ليضربوا بعرض الحائط التفاؤل الذي حاولوا ان يروجوا له حول نجاعة استراتيجيتهم العسكرية والسياسية في العراق. وابعد من ذلك تصرح كمبرلي كاغان مستشارة الجيش العراقي، ان الاوضاع الامنية اذا استمرت هكذا، فمن الممكن ان تعود القوات الامريكية الى اماكنها السابقة حسب جريدة نيويورك تايمز.

 

لماذا سورية وليس ايران؟

مصالحة وطنية بمفهوم امريكي ام مصالحة وطنية بمفهوم ايراني:

جثث مئات الابرياء تتمزق، وذويهم يبحثون عن اشلائهم في ركام الابنية والجسور المنهارة. والكل في العملية السياسية تحاول تجيير (منافع) تفجيرات يوم الاربعاء لصالحها. وتعالت صيحات الاتهام حول من يقف وراء جريمة يوم الاربعاء. والادهى من ذلك خرج اعضاء الحكومة العراقية غير المسنجمة كالعادة من طورها، لأتهام بعضهم البعض. وزير الخارجية العراقي (هوشيار زيباري) يتهم الاجهزة الامنية والجهات السياسية التي تسيطر عليها. وزير التخطيط (علي بابان) ينتقد الحكومة ويوجه اللوم لها بأن معالجتها فقط امنية وعسكرية وليس هناك اي اهتمام بالخطط الاقتصادية التي تكون احدى العوامل في تجفيف منابع الارهاب، وعلى اثره تعرض في اليوم الثاني لتصريحاته الى محاولة اغتيال. مدير المخابرات (محمد شهواني) يتهم بشكل صريح ايران. وعندما رفضت تقاريره قدم استقالته وغادر البلاد. وتعالت الصيحات هنا وهناك في اروقة البرلمان لتتهم ايران وفيلق القدس مع صوت ضعيف في الحكومة العراقية يتهم السعودية بأنها وراء التفجيرات. اما المالكي يعتب على زملائه في العملية السياسية والحكومة العراقية بأستغلال تلك التفجيرات لتصفية حسابات سياسية. ويقف هنا رئيس الحكومة وضمن حملة منظمة منذ تفجيرات 6 نيسان، لمقاومة الضغوط الامريكية في اعادة البعثيين الى السلطة او اعطاء اي دور لهم، والسعي من اجل افشال اجتماعات امريكية-بعثية عقدت على الاراضي التركية، استغل المالكي تفجيرات اربعاء لنسف خطة امريكية بدعم دول التي تسمى بخط الاعتدال العربي في ضرب النفوذ الايراني في العراق وضمان انسحاب القوات الامريكية في العراق عن طريق مشروع (المصالحة الوطنية) بمفهوم امريكي وليس بمفهوم (مالكي) ايراني. ومن هنا جاءت حملة مالكي على سورية بايوائهم البعثيين الذين ارتكبوا جريمة الاربعاء حسب اتهامه لهم. ان الحملة التي بدء بها المالكي ضد سورية تقع في حرق كل الخطوط في اعادة البعثيين او مشاركتهم السلطة. فالحقيقة تقال ولا تحتاج الى مقدار كبير من الذكاء كي يكشفها المرء، حيث لا تبلغ اية حكومة من الحماقة عندما توقع على اتفاقية استراتيجية مع دولة ما كي تذهب بعدها بيومين فقط لتنسف ما اتفقت عليها وبالضد من مصالحها مثلما يحاول ان يسوقه المالكي من اتهامات ضد سورية. ومن جهة اخرى سعت الحكومة السورية وخلال المرحلة الفائته بأظهار التعاون في الجانب الامني مع الحكومة العراقية والولايات المتحدة الامريكية. فسورية جادة بانهاء عزلتها السياسية التي تفرضها الادارة الامريكية والغرب عليها من خلال الاستفادة من السياسة الجديدة لادارة اوباما في الشرق الاوسط.

ايران والإستراتيجية الامريكية:

البنتاغون يصرح بعد ساعات قليلة من دوي الانفجارات الستة الكبيرة ومعها عدد من الانفجارات الصغيرة في بغداد، بان لا تراجع عن خطة الانسحاب الامريكي من العراق. وبمناسبة رمضان اي بعد ثلاثة ايام من الانفجارات يشدد اوباما في رسالة التهنئة الى المسلمين بأن القوات الامريكية ستنسحب من العراق. اي ليس هناك تغيير في الاستراتيجية الامريكية في العراق.

ولكن هناك من يحاول تغيير هذه الاستراتيجية. اي بعبارة اخرى هناك من يسعى في ابقاء القوات الامريكية في العراق لاستنزافها وغرقها بشكل اكبر في المستنقع العراقي.

قبل اكثر من شهرين سرب عدد من وسائل الاعلام العالمية بان اسرائيل اخذت الضوء الاخضر من السعودية كي تستخدم اجوائها في ضرب اهداف عسكرية ايرانية والتي دفع المسوؤلين السعوديين بنفي تلك الانباء. ووعلى نفس الخط تفيد التصريحات والانباء بوجود تنسيق عالي بين مصر واسرائيل على جميع المستويات حول تدارك خطر الملف النووي الايراني حتى وصل الى السماح للاسطول البحري الاسرائيلي في عبور قناة السويس. وعلى قدم وساق تقدم السعودية مساعدات عسكرية كبيرة الى الحكومة اليمنية في ضرب الحوثيين الموالين لايران. اي بعبارة اخرى هناك تنافس اقليمي محتدم بين ايران من جهة وبين دول التي تسمى محور الاعتدال العربي. وان الحكومات الاسرائيلية والسعودية والمصرية وصلت الى قناعة بان لا حل دبلوماسي وسياسي لاحتواء طموح الهيمنة الايرانية على المنطقة. وهذه القناعة موجودة حتى عند عدد من اعضاء ادارة اوباما. الا ان توجيه ضربة الى ايران عسكريا يصطدم قبل كل شيء بالوجود الامريكي في العراق ومجمل الاستراتيجية الامريكية الجديدة لادارة اوباما التي تتلخص بالانسحاب الامريكي من العراق والتركيز على افغانستان وباكستان وحل مشكلة الشرق الاوسط وفصل المسار السوري عن ايران وتقوية الجيش اللبناني والدولة اللبنانية. اي تعمل الادارة الامريكية بشكل حثيث في ضرب الدعامات الخلفية لايران. وعليه فأن اية ضربة عسكرية لايران، فأنها تعطل الاستراتيجية الامريكية من جانب، وعلى الصعيد الميداني تصبح القوات الامريكية اهداف عسكرية للمليشيات الشيعية. وبموازاة ذلك تتصاعد حملة الكراهية ضد الولايات المتحدة الامريكية التي تحتل العراق والتي طالما يعمل اوباما منذ تسلم الرئاسة على تقليل هذه الكراهية تجاه الولايات المتحدة في العالم. وان هذه الاستراتيجية واضحة ومعروفة لدى نظام الملالي في ايران. ولذلك انها تسعى جاهدة في تغيير خطط انسحاب القوات الامريكية المحتلة من العراق الى جانب سعيها بعدم احتواء سورية من قبل الادارة الامريكية. الاستراتيجية الايرانية التي تقابل الاستراتيجية الامريكية هي الفوضى الامنية وحكومة موالية لها في العراق. وعلى مدى السنوات المنصرمة استفادت ايران من احتلال العراق، وقد وفر لها الاستحواذ على اكبر قدر ممكن الامكانات المادية في العراق والذي اصبح اول واكبر شريك تجاري له من جهة، ومن جهة اخرى استفادت من عامل الوقت في تطوير امكاناتها العسكرية وقدراتها النووية بأنشغال الولايات المتحدة في العراق وافغانستان.

العملية السياسية ومستقبل الجماهير على كف عفريت:

في خضم هذه الاوضاع، تطابق القوى والاطراف السياسية العراقية المشاركة في العملية السياسية، اجندتها مع اجندة الاقطاب الاقليمية والدولية المتصارعة في العراق. وفي كل مرحلة سياسية، تتصاعد التصريحات بأن المرحلة الانفة الذكر هي مرحلة تاريخية وانعطاف تاريخي وانه الانتقال الى بر الامان، مثلما حدث في تشكيل مجلس الحكم ومن ثم الحكومة المؤقتة وبعد ذلك الحكومة الانتقالية ومن ثم الاستفتاء على الدستور وجاءت الانتخابات الثانية وتلاها انتخابات مجالس المحافظة واخيرا يبشرون بالانتخابات المزمع تنظيمها في نهاية شهر كانون الاول من عام 2010 لاختيار برلمان جديد. وفي كل مرحلة تزداد الفوضى وترتفع حمى الصراع بين تلك القوى.

ان الواضح في هذه الاوضاع، بأن الاحتلال والحكومة التي دعمتها فشلا في تاسيس الدولة في العراق. وان العلة الرئيسية الحقيقية وراء ذلك هي نفس العملية السياسية التي استندت على التقسيمات الطائفية والاثنية. ان كل طرف من القوى المتواجدة في العملية السياسية تحاول ان تجر الاوضاع الى جانبها ومن مصلحتها العمل للحيلولة في عدم تشكيل الدولة. ولقد بينت تفجيرات الاربعاء بانه لا وجود للدولة ولا وجود للمؤسساتها. والتصريحات الاعلامية للمالكي حول مواصلته الحرب على الارهاب والفساد لا يصب الا في خانة الدعاية الانتخابية والاستهلاك الاعلامي بعد تقويض مكانته الاجتماعية اثر تسارع الانهيار الامني. وان المالكي نفسه يدرك هذا جيدا، ولذلك يحاول بناء مؤسسات تابعة له مثل مجالس الاسناد، واعادة القوى العشائرية المنقرضة الى الواجهة السياسية، وتأسيس اجهزة امنية تابعة له وفصل نفسه عن رفاق الامس في الائتلاف الشيعي وتلوين المصالحة الوطنية بمفاهيمه. انه يسعى وتحت عناوين ( ولى زمن الحزب الواحد، الحرب على الفساد، الحرب على الارهاب..) تأسيس كيان سياسي-اجتماعي –مليشياتي، بأمكانه مقارعة القوى السياسية المليشياتية في العملية السياسية. وعلى مدى السنوات الاربعة الذي توج المالكي رئيسا للحكومة، كان عاملا اساسيا في عدم تشكيل الدولة في العراق.

 

أن العملية السياسية في العراق كما وضحنا من قبل، استندت على دعامتين وهي الماكنة العسكرية للاحتلال والوجود المليشياتي للاحزاب الاسلام السياسي الشيعي المدعوم من قبل نظام الملالي في ايران. ان ارتهان مصير الجماهير السياسي والامني بالعملية السياسية تعني من الناحية العملية وضع مستقبل الجماهير على كف عفريت. وقد بيت الاحداث الاخيرة مرة اخرى ما الت اليه الاوضاع الامنية حيث يسيطر اجواء الترقب والرعب من المجهول على الجماهير.

من هنا نقول ان العملية السياسية ليس هي الخيار الوحيد كما تحاول ان يفرضها الاحتلال على الواقع العراقي منذ سبع سنوات. ان نفس العملية السياسية تحتضر ووصلت الى طرق مسدود. فالاستراتيجية الامريكية فشلت في العراق وتعمل على لملمة جراحها وجر اشلائها الى خارج العراق، والدول الاقليمية تتنافس بالحصول على موطئ قدم لها في العراق.