إتصل بنــا    منشور المؤتمر    أسـس التـنـظيـم    طلب الإنتمـاء

 

العملية السياسية والانتخابات، هل الثانية ستنقذ الأولى من المأزق الذي وصلت إليها!

سمير عادل

اذا صح ما تناقلتها بعض وسائل الاعلام على لسان "علي الاديب" احد قيادي حزب الدعوة الحاكم بقيادة نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي، بأن الادارة الامريكية وصلت الى اتفاق مع البعثيين لهيكلة السلطة في العراق وتشكيل حكومة مؤقتة او انتقالية لمدة عامين، فهذا يعني ان هناك تحول سياسي وامني كبير سيحدث في العراق اسرع مما كنا نتوقع. ويعني ايضا بان الادارة الامريكية بعد ما يقارب سبع سنوات من الاحتلال، وصلت الى قناعة مفادها أن العملية السياسية التي ارست قواعدها في العراق لم تحصل منها لا على ناقة ولا جمل. والحق يقال: فبالرغم من ثمان سنوات من حرب ضروس بين العراق وايران واكثر من مليون قتيل واسير وجريح، فأن نظام الملالي لم يحرز اي امتياز سياسي بسيط في العراق، في الوقت الذي قدمت الإدارة الامريكية العراق الى ذلك النظام، على طبق من ذهب دون ان يخسر رصاصة واحدة. وان اي مراجعة دقيقة للخارطة السياسية في العراق والقوى التي دخلت العملية السياسية وايدت مشروع الحرب والاحتلال، فأن الجمهورية الاسلامية في ايران هي التي تمسك بزمام الامور في جميع مفاصل المجتمع الحساسة عن طريق الاحزاب الشيعية الموالية لها، بل وانها افضل وضعا بما لايقاس مما في لبنان وفلسطين، واما الادارة الامريكية التي لا تملك غير الماكنة العسكرية فقد بدأت هي الاخرى تتآكل ولم يبق وجودها في العراق سوى مسالة وقت.

وسواء صحت تلك الاخبار عن الاتفاق المذكور او سربت لاهداف سياسية، فأن ما ذهبنا اليه في مؤتمر حرية العراق حول العملية السياسية اثبتت صحتها حتى من قبل واضعي اسسها في العراق. الا ان المنطلقين مختلفين تماما: فبالنسبة للإدارة الامريكية، فانها وصلت الى نتيجة مفاها ان اية انتخابات في العراق لا تفضي الا عن جماعة تبقي العراق في دائرة النفوذ الايراني اضافة الى استمرار الفوضى الامنية والسياسية جراء الصراع الدائر سواء بين القوى السياسية في العملية السياسية او خارجها، وفي نفس الوقت هناك ضغط سياسي كبير من قبل دول الخليج بقيادة السعودية وكذلك مصر والاردن على الادارة الامريكية لاحتواء النفوذ الايراني في المنطقة. ولم تكن تصريحات جو بايدن النائب الرئيس الامريكي الاخيرة اثناء زيارته الى العراق، بأن الانتخابات التشريعية المقبلة في العراق سيكون منعطفا كبيرا الا للاستهلاك الاعلامي وذر الرماد في العيون. لان اكثر التيارات والتحالفات المنسجمة استطاعت لم شملها وتنظيم صفوفها واكثر استعدادا لدخول الانتخابات وادامة العملية السياسية هي التحالف الشيعي (الائتلاف الوطني العراقي)، المؤيد لايران والتي لا تخرج من دائرة نفوذها واوامرها وولائها. فعن اي تغيير يحدثنا السيد جون بايدن في الخارطة السياسية في العراق بعد الانتخابات!

بالنسبة لنا، فأن العملية السياسية هي اساس الفوضى الامنية والسياسية في العراق كما وضحناه من قبل وخاصة في وثيقتنا الاخيرة ( برنامج الخلاص من الفوض الامنية والسياسية). وان اية انتخابات لن تغير من محتوى العملية السياسية التي استندت على التقسيم القومي والطائفي. وان اعلان قائمة (دولة القانون) ليس اكثر من محاولة من محاولات المالكي للتمويه وذر الرماد في العيون عن قائمته التي هي لا تعدو اكثر من محتوى طائفي-عشائري-مليشياتي مغلف برتوش من بعض الشخصيات الهامشية في المجتمع والتي ليس لها وزن اجتماعي يذكر ومحسوب على التيار العلماني، ناهيك عن وجود وزراء في قائمته المذكورة وشخصيات اشتهرت وعرفت وافتضحت بالفساد الاداري والمالي. ان مجرد غرق القاعة التي اعلن فيها عن قائمة (دولة القانون) كما نقلتها الفضائيات بالنماذج العشائرية كما كان واضحا بالزي والرداء، يتوصل المرء بسهولة الى محتوى قائمة (دولة القانون). ولكن الطامة الكبرى لا تكمن هنا فقط، بل ان مستقبل تشكيل الحكومة فيما اذا جرت الانتخابات، فأية نتائج تتمخض عنها فلابد من تحالف ائتلافين على الأقل سواء التحالف الشيعي القديم بحلته الجديدة او التحالف الكردي. واي كان ذلك الائتلافين مع اخذ بالحسبان ادخال طرف سني لخلق التوازنات داخل العلمية السياسية نفسها، فسينتج عنهم حكومة محاصصة طائفية واثنية جديدة وهلمجرا ويعاد نفس السيناريو السابق. واذا ما نظرنا الى اقوى حلفاء السياسة الامريكية ويمثل خط (الاعتدال العربي) في العراق هو اياد علاوي، فهو لا يملك لا حول ولا قوة ويائس من مجمل الاوضاع السياسة في العراق كما عبر عنه في عدة لقاءات تلفزيونية وصحفية، علاوة على انفراط جماعته في القائمة العراقية عنه واخذوا منحى اخر. وما دعوته لاعضاء الكونغرس الامريكي في عقد مؤتمر حول العراق على غرار مؤتمر شرم الشيخ، الا تعبير عن  عمق مأزق النفوذ الأمريكي ومجمل الإستراتيجية الامريكية في العراق.

وليست هذه كل الصورة، بل هناك عزوف كبير من قبل الجماهير عن الانتخابات. وعلى اثر ذلك تراشقت المفوضية العليا للانتخابات وعدد من اعضاء البرلمان بالاتهامات المتبادلة. فالمفوضية حملت الاطراف الموجودة في العملية السياسية، عزوف الناس عن الانتخابات لانها كما وصفتها،  فشلت في تقديم الحد الادنى لمقومات الحياة للناس. في حين اتهم اعضاء من البرلمان المفوضية في بتقصيرها في عملها وعدم حث الناس على تجديد سجلاتها الانتخابية. واذا قمنا بمراجعة حول مشاركة الجماهير في انتخابات مجالس المحافظة قبل 7 اشهر وبين الانتخابات المزمع تنظيمها في نهاية شهر كانون الثاني من العام القادم، فقد كان المالكي في اوج عنفوانه، ولم تمض الا فترة قصيرة على سحقه لعصابات جيش المهدي، وتجيير إلحاق الهزيمة بالقاعدة لصالحه من جهة اخرى ، ومع هذا لم يشارك في تلك الانتخابات اكثر من 28% من الذين لهم حق التصويت حسب تصريحات اياد علاوي وحاتم سلمان وبشكل غير رسمي رئيس المفوضية العليا فرج الحيدري لموظفيه. الا انه وبعد فشل مجالس المحافظة في كل شيء ولم تستطع حتى تقديم الخدمات البسيطة الأساسية وتدهور الاوضاع الامنية التي توجت بيوم الاربعاء الدامي، فكيف يراد للجماهير ان تشارك في الانتخابات؟! وكما اشرنا من قبل وفي الاجتماع الموسع التاسع للمجلس المركزي للمؤتمر، اذا اردنا ان ندخل الانتخابات فعلينا تغيير قواعد اللعبة السياسية والاعتماد على 70% من الذين لم يشاركوا في انتخابات مجالس المحافظة. الا ان اليوم وصلت العملية السياسية الى طريق حتى من يدخلها لا يخرج بخفي حنين فحسب، بل يصغر في عين المجتمع ويتحول الى اضحوكة ويضيع مع جوقة الفاسدين. فالذين عولوا على عدد مقاعدهم في البرلمان على سبيل المثال ولا الحصر، مثل اياد علاوي الذي حصل على 25 مقعد وصالح المطلك على 11 مقعد، فليس لم يسمع لهم صوت فحسب، بل حتى أضاعوا رفاق دربهم في اروقة البرلمان التي يتطاير منها دخان الرشاوى والفساد. 

ان من يراهن على العملية السياسية بالقواعد التي وضعت اسسها اليوم، وعلى الانتخابات التي هي احد الآليات الرئيسية لتثبيت اركانها واعادة إنتاجها، فهو قرر ابقاء رقاب جماهير العراق بشكل واعي اوغير واعي اسرى لدوامة الفوضى الامنية والسياسية التي ليس لها قرار في عمق العملية السياسية المعروفة. ولن يكن حاله افضل من الذين لديهم خلافات كبيرة حول الدستور وهوية الدولة والفيدرالية...في العملية السياسية.

ان الاستعداد الكلي وعلى جميع الاصعدة للمخاطر والتحديات المقبلة من جهة، ومن جهة اخرى تعبئة الجماهير وحشدها في مختلف الميادين حول تشكيل حكومة انتقالية علمانية وغير اثنية وبرنامجها الامان والخبز والحرية هو الطريق نحو الخلاص الابدي.