|
|
|
البديل الراهن للعملية السياسية في العراق: هو تشكيل حكومة انتقالية هويتها علمانية وغير اثنية وبرنامجها الأمن والخبز والحرية حوار مع الرفيق سمير عادل رئيس مؤتمر حرية العراق أجراه عبد الهادي الفتلاوي مدير تحرير جريدة (معا)
سمير عادل: بالنسبة لنا (مؤتمر حرية العراق) لم نتوهم يوما بالعملية السياسية وقلنا في عدة مناسبات وعدة اماكن بأن اساس الفوضى الامنية والسياسية في العراق هو العملية السياسية التي استندت على المحاصصة الطائفية والاثنية. وبمحاذاة ذلك كان هناك توهماً كبيراً وواسعا بين صفوف الجماهير حول العملية السياسية. واستطاعت الماكنة الاعلامية للاحتلال والاقلام المأجورة والقوى الطائفية والاثنية في العراق الترويج والدعاية حول اكسير الانتخابات والديمقراطية في العراق الجديد. ولا يخفى على احد فإن الأوهام بان العملية السياسية ستجلب الاستقرار والأمن وصلت إلى درجة بأنها حقيقة دامغة لا يمكن دحضها. وهذا يفسر المشاركة الواسعة للجماهير في انتخابات 2005 حيث كانت تأمل بأحداث تحسن في اوضاعها الامنية والمعاشية. ولم تكن المشاركة الواسعة وحدها هي التي ميّزت تلك الانتخابات، بل الاصطفافات الطائفية والقومية والاثنية هي الأخرى كانت إحدى ميزات تلك الانتخابات. ولم تمض على تلك الانتخابات الا ثلاثة اشهر او اقل حتى اندلعت الحرب الطائفية بعد تفجيرات سامراء في شباط 2006 ورويداً رويداً بدأت تتكشف للجماهير بأن (الانتخابات) لم تكن إلا كمين نصب لها لاخذ بصماتها واضفاء الشرعية على ادامة ووجود القوى الطائفية والقومية في السلطة والمحافظة على امتيازاتها. ويمكن ملاحظة تغيير مزاج المجتمع في انتخابات مجالس المحافظات التي نظمت في بداية العام الفائت حيث لم يشارك اكثر 28% من الذين لهم حق الاقتراع بالرغم من عمليات التزوير وتطبيل وزعم الاعلام حول المشاركة الواسعة، حسب تصريحات عدد من القادة والمسؤولين في القوى السياسية مثل اياد علاوي وحاتم سلمان وحتى فرج الحيدري الذي ادلى باقوال في عدة جلسات واجتماعات للمفوضية العليا للانتخابات بأن المشاركة في الانتخابات لم تتجاوز الرقم المذكور. وقد بينت تلك الانتخابات بأن 72% من الذين لم يشاركوا في الانتخابات، فهموا بأن الانتخابات التي تنظم في العراق ليست أكثر من اكبر عملية نصب واحتيال سياسي تتعرض لها من اجل اعادة انتاج نفس الجماعات الموجودة في السلطة. ويمكن وصف تلك الانتخابات، بأن الجماهير كفت عن ان تتوهم بالعملية السياسية والانتخابات التي تنظمها تلك الجماعات، ويضاف الى ذلك ابتعاد الجماهير عن الاصطفافات الطائفية والبحث او ترقب ظهور بدائل سياسية اخرى تتمحور جميعها حول العلمانية. وهكذا جاءت تفجيرات وزراة الخارجية والمالية التي حولت بغداد الى مدينة الاموات والاشباح معا ويتنفس الاحياء فيها رائحة البارود والجثث المتفحمة ويخيم الرعب ككابوس على ادمغتهم. وتسقط معها عصا تبختر المالكي في ساحة العرضات. المالكي الذي لم يكن يفتخر الا بالانجاز الامني الذي حققه طوال اربع سنوات من سلطة حكومته الطائفية والغارقة في اكبر مستنقع للفساد الاداري والمالي في العالم. وتنتهي هنا اسطورة المالكي الذي وصل به الغرور الى حد ادارة ظهره الى رفاق الأمس الطائفيين الذين اولوه حقيبة رئاسة الوزراء ودعموا حكومته المتهاوية بعد انسحاب اكثر من نصفه في عام 2007. لقد كانت هذه التفجيرات هي القشة التي قصمت ظهر البعير. وهنا بدء التشكيك بالعملية السياسية التي لم تجلب غير الفوضى الامنية والسياسية ووضعت علامات استفهام كبيرة على تلك العملية في صفوف المجتمع. وبعد اكثر من سبع سنوات من التغيير الجذري الذي حصل في العراق: الاحتلال، تدمير الدولة، عملية سياسية تحيّ الديناصورات الطائفية والاثنية المنقرضة وتحضر ارواحها في البيت الابيض واروقة المخابرات المركزية الامريكية، الانتخابات المزعومة ترسخ جذور تلك الديناصورات..كل ذلك لم يجلب الاستقرار. ومن يبحث عن حل سياسي لوضع حد لنزيف الدم في اطار (العملية السياسية) التي نسج خيوطها الاحتلال، فهو اما يريد ان يسجل للتاريخ حماقته السياسية او قرر ان لا يساعد على ايقاف دوران الرحى التي تطحن عظام العراقيين. وكان اقرار (قانون الانتخابات) تأكيد على صحة تحليلنا ووصفنا للعملية السياسية التي اتت بعد اكثر من شهرين من طرحنا (حكومة انتقالية) وهي ابقائها على اسسها الطائفية والاثنية وتنظيفها من اية رتوش او شوائب قد يفقدها خصوصيتها المذكورة او ابطال مفعول المحاصصة فيها. واضافة الى ذلك ان ابعاد شخصيات من التيار القومي العروبي الجناح (المؤيد لامريكا) واقصائها من المشاركة في الانتخابات تحت عنوان (صلتهم بحزب البعث) مع ابقاء فقط القوائم الطائفية الشيعية والسنية والكردية ليس الا عملية تشذيب للعملية السياسية وابقائها 100% طائفية واثنية خالصة ونقية لا يشوبها اية شائبة.. لذلك جاء طرح مؤتمر حرية العراق بديل العملية السياسية، بأن لا خلاص لجماهير العراق الا من خلال تأسيس حكومة انتقالية وهويتها علمانية وغير اثنية وبرنامجها الامن والخبز والحرية.
سمير عادل: كما ذكرنا فأن اساس الفوضى السياسية والامنية في العراق هي المحاصصة الطائفية والاثنية التي استندت عليها العملية السياسية. وسيستمر تدهور الاوضاع الامنية والفوضى السياسية اذا ما بقت العملية المذكورة. ان كل طرف من اطراف العملية السياسية يحاول حماية والحفاظ على مصالحه من النفوذ والسلطة والامتيازات التي حصلت عليها من العملية السياسية تحت مظلة الاحتلال. فبدون هوياتها الطائفية والقومية والاثنية في العملية السياسية لا يمكن ادامة واعادة انتاج امتيازاتها الاقتصادية والسياسية. وفي خضم هذه الاوضاع هناك صراع سياسي-مليشياتي، محتدم ودائم، خفي وعلني، بين تلك القوى والاطراف التي شكلت العملية السياسية. وكل واحدة منها تحاول اضفاء طابع الدولة (التي فشلت في تأسيسها الى الآن) بطابعها. وقد وضحنا هذه المسألة بالتفصيل في "تعديل المنشور" الذي طرح في المؤتمر الثاني. وقلنا ان الصراع السياسي على هوية الدولة لم يحسم بل ان الدولة لم تتشكل بعد كي تضفي عليها الهوية السياسية. فالاسلام السياسي الشيعي يحاول اضفاء هوية طائفية على الدولة على غرار هوية الجمهورية الاسلامية في ايران والقومي الكردي يحاول اضفاء الهوية الفيدرالية اللاقومية على الدولة والتيار القومي العروبي يحاول اضفاء الهوية القومية العروبية على الدولة. وطبيعي يعتري ثنايا هذا الصراع، الصراع على المناطق المتنازعة عليها، الصراع على الثروات، الصراع على الدستور، وحتى الصراع على حدود المحافظات في وسط وجنوب العراق. وفي خضم هذا الصراع يحاول كل طرف جر قسم من المجتمع الى جانبه كي يكون ذخيرة حية ووقود لادامة الصراع المذكور وإغراقه في المستنقع الطائفي والقومي لتحقيق مصالحها الضيقة. وعليه وخلال اكثر من سبع سنوات، جرب المجتمع هذه الهويات وهذه الجماعات ولم يحصل الا على الخراب والدمار والقتل والتشرد. وطالما ظلت هذه الهويات رايات بيد هذه الجماعات والاطراف التي شكلت العملية السياسية، وطالما ظلت العملية السياسية تستند على هذه الاسس، فأن لا امن ولا استقرار في العراق. من هذا الواقع ومن هذا التحليل طرحت هوية الحكومة الانتقالية واشترط على هذه الهوية بأن تكون علمانية وغير اثنية، كي تعرف البشر في جغرافية معينة واسمها العراق على اساس المواطنة والهوية الانسانية. الهوية العلمانية وغيرالاثنية هي الكفيلة بنزع فتيل صراع وحرب اهلية تحرق المجتمع العراقي. انها الخطوة الاولى نحو تحقيق الامن والاستقرار في العراق.
سمير عادل: ان ادامة العملية السياسية والموافقة عليها والبحث عن حلول لخلق الاستقرار الامني والسياسي في اطارها، هو ضرب من الاوهام، هذا من جانب. ومن جانب اخر ان استمرار هذه العملية يعني ارتهان مصير الجماهير وامالها ووضعها على فوهة بركان يغلي، وان انفجارها مسالة وقت ليس الا. ان العراق هو النسخة السيئة للتجربة اللبنانية التي لم تعرف الاستقرار منذ اكثر من ثلاثة عقود ونصف. ان القوى السياسية التي تقدس العملية السياسية لها مصلحة واضحة في ادامتها. واصبحت هذه العملية شيئا فشيئا معزولة ومفصولة عن مصالح الجماهير السياسية والامنية والاقتصادية، هذا العزل والفصل واضحين. ولذلك ان تلك القوى تحاول ان تبقي نفسها في العملية السياسية عن طريق مليشاتها وعصاباتها. ان خلق اي شكل من اشكال الاستقرار ليس في برنامجها ولا اجندتها، بل وتجدها متناقضة مع المحتوى المليشاتي لهذه الجماعات. ان المليشيات تعتاش على ظروف استثنائية وطارئة وغير مستقرة وفي مجتمع تسودها الفوضى الامنية والسياسية وغياب اي شكل من اشكال سلطة الدولة. ان العملية السياسية، صمدت كل هذه السنوات من خلال دعامتين كما ذكرنا، الماكنة العسكرية للاحتلال والاحزاب المليشاتية في العملية السياسية والمدعومة من قبل نظام الملالي في ايران. هذه العملية متناسبة مع ظروف المجتمع العراقي، تلك الظروف التي خلقها الاحتلال وسياساته. فتخيل وجود بديل سياسي اخر خارج العملية السياسية وقواعدها وتأخذ على عاتقها مقدمات تشكيل الدولة. فهل تستطيع هذه المليشيات التهريب اليومي لآلاف الأطنان من النفط عبر الحدود الايرانية، اختفاء ملايين الدولارات من خزائن الوزارات، سرقة الملايين من الدولارات عبر السطو على البنوك في وضح النهار...وان تجد لها مكان في المجتمع بعد ذلك. بالطبع لا. وهنا يطرح سؤال واقعي، ايهما افضل للجماهير الغفيرة التي اكتوت بنار الاحتلال والمليشيات واحزابها السياسية، القبول بأدامة اوضاعها الماساوية التي لا بصيص للامل من خلال العملية السياسية او البحث عن بديل اخر يخلصها من هذه النار؟ قطعا سيكون الجواب هو القسم الثاني من السؤال لانها جربت اكثر من سبع سنوات اوضاع لا يمكن وضع لها اي وصف. فلماذا اذن تعتبر العملية السياسية التي تنتج فوضى امنية وسياسية ودمار وقتل كل يوم حلاً واقعي، يبنما طرح بديل سياسي اخر يخلص البشر من العراق من هذه الاوضاع غير واقعي وغير عملي! ان من يحاول الترويج للعملية السياسية وعلى انها قضية مسلمة بها واصبح واقعا لا يتغيير تحت عناوين (العراق الجديد) لا (عودة الحزب الواحد) (الديمقراطية الفتية)..الخ له مصلحة في ذلك وقد وضحناه قبل قليل بالتفصيل. ان ترسيخ العملية السياسية هو استراتيجية الاحزاب والقوى الطائفية والقومية المليشياتية. كانت احدى المعوقات الرئيسية في نسف العملية السياسية او على الاقل القبول ببديلها في المجتمع، هي توهم الجماهير بتلك العملية والقوى السياسية التي تؤيدها. أما اليوم، أصبحت الجماهير أكثر وعيا وبدأت الاوهام تزول من بين صفوفها تجاه العملية السياسية. والبحث عن بديل سياسي اخر للعملية السياسية اصبح شيئا اكثر واقعيا وعمليا. ولذلك القبول بفكرة العلمانية وتحول العلمانية الى تيار معتبر داخل المجتمع في هذه المرحلة (مقارنة مع بداية مرحلة فرض العملية السياسية على المجتمع من قبل الاحتلال)، ورعب القوى الاسلامية من العلمانية والتيار العلماني وهذا سر تشديد هجومهم على العلمانية والعلمانيين في كل مناسبة، هو خطوة مهمة لايجاد بديلنا السياسي والعلماني لموطئ قدم في المجتمع. النقطة الاخرى هي تنظيم الجماهير حول راية البديل المطروح في كل مكان في منظماتها الجماهيرية: المنظمات العمالية، النقابات المهنية، الاتحادات الطلابية والشبابية في الجامعات، في المحلات: في مناطق السكن والمعيشة. وبالفعل نحن حققنا خطوات مهمة في هذا الميدان منذ عقد مؤتمر العمال العالمي ثم عقد المؤتمر الأول للإتحاد العام للمجالس والنقابات العمالية وتاسيس الاتحادت والروابط الطلابية والشبابية ووضعنا خطة لتأسيس اتحاد الطلبة والشباب التقدمي على مستوى العراق الذي سنحققه هذا العام وكذلك البدء بتنظيم الجماهير في المناطق والمحلات الى جانب تأسيسنا لمكتب الطلبة والشباب والمكتب العمالي تلبية لحاجات المؤتمر حيث بدئنا الان بوضع الخطط لتاسيس مكتب المحلات والمناطق. واهم من كل ذلك، العمل على تسليح الجماهير في كل مكان يتسنى لها بذلك للدفاع عن نفسها وجزء من تهيئة الاستعدادات للاوضاع ما بعد الانسحاب الامريكي من العراق. ان خلق قوة جماهيرية مسلحة وملتفة حول راية حكومة انتقالية: علمانية وغير اثنية وبرنامجها الامن والخبز والحرية هو احدى النقاط الاصلية في تحقيق تأسيس الحكومة الانتقالية. ان تحول بديل مؤتمر حرية العراق للعملية السياسية الى بديل يطرح نفسه بقوة على الاوضاع السياسية في العراق وتغيير قواعد العملية السياسية وتغيير أسسها ايضا، يكون فقط عن طريق قوة جماهيرية مسلحة تصرع القوى المليشياتية للأحزاب والقوى الموجودة في العملية السياسية. ان لا شرعية العملية السياسية فرضت بحراب الاحتلال ويراد ادامتها من خلال مليشيات الأطراف المساندة لها. ان الشرعي واللاشرعي في مجتمع تعمه الفوضى وتجول فيها العصابات المسلحة وتفرض قوانينها يحددهما القوة المسلحة. |